مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

هل توصلنا الشهادات للمعرفة.. أم تُعيدنا للمطبخ؟

بعض العبارات تظل عالقة في الذاكرة لسنوات، ليس لأنها حكيمة، بل لأنها تتركك في حالة من الصدمة. قبل سنوات طويلة، كنت على وشك التخرج عندما سمعت عبارة لم أنسها حتى اليوم.

في آخر فصل دراسي لي في مرحلة البكالوريوس، كنت مستعدة لإنهاء رحلتي الجامعية والتجهيز للعمل على الهدف في المرحلة التالية في حياتي العلمية والعملية. لكن فجأة ظهرت عقبة غير متوقعة، مقرر دراسي من قسم آخر لن يُدرّس في ذلك الفصل، مما يعني تأجيل تخرجي. حاولت إيجاد حل بكل الطرق، وكانت آخر محاولة لي هي التواصل مع رئيس القسم الآخر لإقناعه بإضافة المقرر حتى أتمكن من التخرج في الموعد المحدد.

اتصلت به هاتفياً، تحدثت بكل منطقية، شرحت له الظروف، حاولت أن أجد أي طريقة لإقناعه بأن تأجيل التخرج قد يكون عائقاً لي في تخطيطي لمستقبلي القريب. توقعت رداً أكاديمياً أو حتى إدارياً، لكنه قال بكل بساطة جملة لم أكن مستعدة لها أبداً: “ليه مستعجلة؟ آخر الشهادة تعلقينها في المطبخ.”

عفواً، ماذا؟

أعدت سماع كلماته في رأسي، غير متأكدة إن كنت فهمت ما قاله جيداً. هل قال فعلاً إن كل هذه السنوات من الدراسة، كل هذا الجهد، كل الطموح، مجرد ورقة مكانها جدار المطبخ؟ الأكثر غرابة أن هذا الكلام صادر عن شخص يحمل درجة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعني شخص عاش ثقافات مختلفة، وتعرّف على بيئات تعليمية متنوعة. ألم يكن من المفترض أن يكون أكثر وعياً؟ ألم يكن من المفترض أن يدرك قيمة التعليم كأداة للتمكين والتغيير؟

صمتُّ لثوانٍ. كنت مندهشة للغاية، لكني تمالكت نفسي وقلت: “لا، أنا لدي أهداف متعددة، وأود العمل عليها مباشرة بعد تخرجي في الوقت المحدد.” لم يكن ردي محاولة لإقناعه، فقد كان إيماناً داخلياً لا يمكن أن أسمح لأي شخص أن يحدد قيمة شهادتي أو طموحاتي.

لكن هذه العبارة، رغم بساطتها، بقيت في ذهني لسنوات، ليس لأنها أقنعتني، بل لأنها طرحت سؤالاً أعمق: هل الشهادات الأكاديمية فعلاً تقاس بقيمتها العملية فقط؟ أم أنها تمثل أبعاداً معرفية أوسع، تمتد إلى تشكيل الوعي والفكر؟

بعد سنوات عدة، خلال دراستي للدكتوراه، أتيحت لي الفرصة للتعرف على نماذج مختلفة من الأشخاص، من خلفيات متعددة، يحملون أعلى الشهادات، لكنهم يختلفون تماماً في طريقة تفكيرهم، ووعيهم، ونظرتهم للعالم. وهنا بدأت أطرح على نفسي سؤالاً جديداً: هل الشهادات الأكاديمية تصنع الوعي، أم أن الوعي شيء مستقل لا يُقاس بالمؤهلات؟

في إحدى النقاشات، تعرفت على طبيبة ناجحة، حاصلة على أعلى الشهادات في تخصصها، مستقلة مادياً، متحدثة لبقة، وتعمل في بيئة طبية مرموقة. جلسنا نتحدث في موضوعات مختلفة، حتى تطرق الحديث إلى تعليم الفتيات، وهنا قالت بكل قناعة تامة: “دراسة المرحلة الثانوية للبنات كافية، البنت مصيرها بيتها وزوجها.”

عفواً… ماذا؟

شعرت حينها بما يُعرف بـ “التنافر المعرفي” (Cognitive Dissonance)، ذلك الشعور بالارتباك عندما تتعارض المعلومات التي تسمعها أو تكتسبها مع الواقع أو مع قناعاتك السابقة. كيف يمكن لشخص بهذا المستوى من التعليم والنجاح أن يحمل مثل هذا الرأي؟ كيف يمكن لعقل متعلم أن يتبنى فكرة تُقصي نصف المجتمع عن فرص التعليم والتطور؟

حاولت أن أفهم، لا أن أهاجم. فالتعليم، كما يبدو، لا يعمل دائماً بنفس الطريقة على جميع الأفراد. ليس مجرد معلومات يتم اكتسابها، بل هو عملية معقدة تتداخل فيها البيئة، الثقافة، القناعات المسبقة، والتجارب الشخصية.

عدت للتفكير: كيف يمكن لشخص أن يصل إلى هذا المستوى من التعليم والنجاح ثم يتبنى أفكاراً كهذه؟ وكيف يمكن للتعليم أن يفشل في تغيير القناعات؟ هل يعود ذلك إلى الجمود الفكري أو التحيز المعرفي؟ وإذا كانت الشهادات تعكس مستوى تفكير الشخص، فلماذا نجد مثل هذه التناقضات؟

يمكن القول إن بعض القناعات العميقة قد تكون أقوى من تأثير التعليم الأكاديمي. فالتنشئة الاجتماعية، والثقافة، والخلفية الشخصية، كلها تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وعي الفرد. قد يتعلم الإنسان مهارات تخصصية عالية، لكنه لا يطور بالضرورة قدرته على التفكير النقدي أو إعادة النظر في قناعاته.

كما أن التعليم أيضاً لا يعني بالضرورة التفكير النقدي. فالحصول على شهادة لا يعني أن الشخص سيعيد النظر في أفكاره أو يطورها، لأن بعض بيئات التعليم تركز على التلقين أكثر من التحليل، وعلى الحفظ أكثر من الفهم.

بالإضافة إلى ذلك، قد تكون قوة التنشئة أقوى من قوة التعليم. فعندما ينشأ شخص في بيئة تعزز أفكاراً معينة، فقد يبقى متمسكاً بها حتى بعد حصوله على أعلى الشهادات، لأن التعليم قد يضيف معرفة، لكنه لا يغير بالضرورة القناعات بشكل كامل.

وهنا أعود للسؤال الأساسي: إذا لم تكن الشهادات مؤشراً حقيقياً على مستوى التفكير، فما الذي يرفع وعي الإنسان؟ هل هي التجارب الشخصية؟ هل هو الانفتاح على أفكار جديدة؟ أم أن بعض العقول تبقى مغلقة مهما تعلمت؟

ربما حان الوقت لإعادة تعريف مفهوم “المتعلم”. فليس كل من حمل شهادة واعياً، وليس كل من لم يكمل تعليمه جاهلاً. فالعلم الحقيقي لا يُقاس بالمؤهلات، بل بمدى قدرة الإنسان على التساؤل، والتغيير، والمرونة، والتطور الفكري المستمر.

وبعد البحث المستمر، حتى حين كتابة هذا المقال لا زالت التساؤلات مستمرة، هل المعرفة الأكاديمية قادرة فعلاً على إعادة تشكيل الفكر؟ أم أن بعض العقول تظل كما هي، بغض النظر عن عدد الشهادات التي تمتلكها؟ أو ربما المشكلة لم تكن يوماً في الشهادات… بل في العقول التي تحملها.

 

د. مها الشريف
@imahaalshreef
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop