مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

هل فقدنا “قيمة القصة” في الإعلام الحديث؟

لم يعد الإعلام كما كان سابقًا. تغيّرت الأدوات، وتبدّلت المنصات، وتسارعت وتيرة نقل الخبر بشكل لم يسبق له مثيل. لكن وسط هذا الزخم الكبير من المحتوى اليومي، يبرز سؤال مهم: هل ما زالت “القصة” تحتفظ بقيمتها في الإعلام الحديث، أم أنها تلاشت لصالح الخبر السريع والعنوان المختصر؟

في السابق، كانت القصة هي قلب العمل الإعلامي. لم يكن الخبر يُقدَّم كجملة عابرة، بل كحكاية متكاملة لها بداية وسياق ونهاية. كان الصحفي يقترب من التفاصيل، ينقل صوت الإنسان خلف الحدث، ويمنح القارئ فرصة لفهم ما يحدث، لا مجرد معرفته. كانت القصص تُكتب لتُقرأ بتأمل، وتُبنى على العمق لا السرعة.

اليوم، تغيّر المشهد بالكامل. أصبحت المنصات الرقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار، وتحول المحتوى إلى وحدات قصيرة وسريعة. العنوان صار أهم من التفاصيل، والسرعة أصبحت معيارًا للتنافس. في هذا السياق، لم يعد هناك وقت كافٍ لبناء القصة كما كانت، بل أصبح الهدف هو إيصال المعلومة في ثوانٍ معدودة.

هذا التحول لم يمر دون أثر. فقدنا في كثير من الأحيان العمق الإنساني للخبر، ذلك الجزء الذي يجعل القارئ يتفاعل ويشعر ويتأمل. لم يعد المتلقي يعيش القصة، بل يمر عليها مرورًا سريعًا بين عشرات المحتويات. ومع الوقت، أصبحنا نعرف “ماذا حدث”، لكننا لا نفهم “لماذا حدث” أو “كيف شعر من عاشه”.

لكن السؤال الأهم هنا: هل اختفت القصة فعلًا؟
الحقيقة أنها لم تختفِ، لكنها تغيّرت. القصة اليوم لم تعد تُروى في تقرير طويل واحد، بل تتوزع على مقاطع قصيرة، وتغريدات، ومشاهد متفرقة. أصبحت تحتاج إلى من يجمعها ويعيد صياغتها، إلى إعلامي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يبحث عن المعنى خلفه.

وهنا يظهر دور الإعلامي الحديث. لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح صانعًا للسياق، يربط التفاصيل، ويعيد تشكيل القصة بطريقة تُعيد لها قيمتها. الإعلامي اليوم مطالب بأن يقاوم ضغط السرعة دون أن يفقد العمق، وأن يوازن بين ما يريد الجمهور معرفته فورًا، وما يحتاج أن يفهمه بعمق.

في النهاية، ربما لم نفقد “قيمة القصة”، لكننا وضعناها في اختبار صعب. إما أن نستعيدها بشكل جديد يناسب زمن السرعة، أو نتركها تتلاشى وسط سيل الأخبار السريعة. والقوة الحقيقية للإعلام اليوم ليست في نقل الخبر فقط، بل في القدرة على إعادة الحياة للقصة داخل كل خبر.

 

خيرية حتاته
‏Khairiah_Writes@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop