لماذا هناك وعود لا تصمد؟ سؤالٌ يتردد في وقتنا الحالي، يطرحه الإنسان على نفسه وهو يفكّر… يفكّر فيمن خاب ظنه فيه، وفي وعوده المجهضة، وكأن في إجهاضها تعمّدًا!
لا تكاد تلك الوعود تنطلق حتى تُجهض، وبين الوعد والإيفاء به حاجزٌ يصعب على بعضهم تجاوزه، وكأنه الحاجز المزدجر؛ فيقف مكتوف الأيدي في المنتصف، مختارًا الوقوف، مع علمه بوجود خيارٍ آخر، وهو القفز وتجاوز الحاجز وإنهاء سباق الكلمة.
سباقٌ ابتدأ بكلمة أو وعد، وانتهى بعبور خط النهاية ورفع عبارة: وعدٌ تم قطعه والإيفاء به يا بشر.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
وفي الجاهلية كانت الكلمة أثقل من وقع السيف على الجسد، وكان الوفاء بالعهد سموًّا في الأخلاق ومروءةً في النفس، ولكم في قصة السموأل عبرة؛ ذلك الشاعر الجاهلي العربي اليهودي، حينما أتاه الشاعر الملك غير المتوج امرؤ القيس الكندي، الباحث عن استرداد حكم أبيه. تلك القصة التي ضربت بها العرب مثلًا، فقالوا: أوفى من السموأل.
ومن اليهودي والكندي ننتقل إلى أبناء وائل بن ربيعة، البكريين والتغلبيين، إلى عدي بن ربيعة، المعروف بالزير، وهو اللقب الذي أطلقه عليه أخوه كليب بسبب مجالسته للنساء. وحينما قام عدي بن ربيعة بقتل بُجير بشِسع نعل كليب، جاء ذلك المثل الذي يُضرب حين يُقتل المرء مقابل لا شيء، فاستشاط الحارث بن عباد غضبًا عندما علم بمقتل بُجير بشِسع النعل، وأنشد قصيدته الشهيرة، ومنها قوله:
قربا مربط النعامة مني
لا يُباع الرجال بيع النعال
فأعلن الحرب التي كان قد اعتزلها في بدايتها. وفي أرض المعركة، أمسك الحارث بن عباد البكري بعدي بن ربيعة التغلبي، ولم يتعرف عليه، فطلب منه أن يدله على عدي مقابل الأمان. فقال عدي: أأنا آمن إن دللتك عليه؟ قال: نعم. فقال: أنا عدي بن ربيعة.
وبالرغم من أن عديًّا هو قاتل بُجير، إلا أن الحارث بن عباد أوفى بكلمته وأطلقه، ذلك الكهل البكري الشاعر الشجاع وسيد قومه، الذي اعتزل حرب أبناء عمومته التي استمرت أربعين عامًا، قائلًا: تلك حربٌ لا ناقة لي فيها ولا جمل، ليصبح مثلًا يُضرب في اعتزال ما لا شأن لك به.
والناقة هنا سراب ناقة خالة جساس، والجمل غلّال فحل كليب الذي كان يتفاخر به.
ولك مثال آخر في وفاء هانئ بن مسعود الشيباني مع النعمان بن المنذر ملك الحيرة، حين أتاه رسول كسرى، زيد بن عدي، يخبره أن كسرى يطلب نساءً من العرب لأبنائه. حينها أجاب النعمان بن المنذر قائلًا: أما في نساء فارس ما يكفيه؟ فغضب كسرى وأرسل في طلب النعمان، ليذهب مدركًا أن مصيره الموت.
فأودع النعمان أهله وسلاحه عند هانئ بن مسعود، بعدما رفض كثير من العرب خوفًا من بطش كسرى. وذهب النعمان إلى كسرى، فأهانه وسجنه حتى مات هناك بالطاعون، وقيل إنه أُعدم بالفيل. فأرسل كسرى يطلب أهل النعمان وما أودعه لدى هانئ، إلا أن الأخير رفض أن يُخلف وعده، فاختار الحرب من أجل كلمة… من أجل وعد قطعه.
فقاد قومه بكر بن وائل وبعض العرب في مواجهة الفرس وحاكمهم كسرى وقائد جيشه الهامرز في معركة ذي قار. وقد اختلف المؤرخون في موقع المعركة؛ فمنهم من قال جنوب العراق، ومنهم من قال في بطحاء قراقر بين محافظتي طريف والقريات شمال المملكة، وهو الرأي الأرجح والأكثر دعمًا بحسب الأدلة الجيولوجية والأثرية.
وكاد هانئ بن مسعود الشيباني أن يهلك هو ومن معه… وكل ذلك من أجل ماذا؟ نعم، إنها كلمة… وعد… عهد… أمانة… صدق.
والأمثلة كثيرة عبر التاريخ، ثم جاء الإسلام فعزّز هذا الخُلُق في نفوس الأمة الإسلامية، بل زاده رفعةً وتعظيمًا، والأمثلة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وسيرة النبي ﷺ، وسير الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وها نحن اليوم نعيش لنرى وعودًا تُرمى جزافًا، وبعيدة كل البعد عن سير الأنبياء والصحابة ومن عاصروا النبوة، ولا تمت بصلة لمن قبلهم في الجاهلية، يهودًا كانوا أم وثنيين أم نصارى.
ولمعرفة سبب الإخلاف بالوعد والعهد، نطرق بهذا السؤال بابًا… لعلنا نلقى عند أحدهم لُبَّ الإجابة: لماذا تُجهض الوعود ولا يُكتب لها السلامة؟
أ. بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون