مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

25 عاماً.. من “الطباشير”.. إلى الإنسان

خمسة وعشرون عاماً قضيتها بين مقاعد الدراسة، عشتها مع مئات الطلاب الذين عبروا فصلي، وتحديداً في تلك المرحلة العمرية الحرجة بين العاشرة والسادسة عشرة عاماً، حيث يتأرجح العمر بين الطفولة والمراهقة. هذه الرحلة الطويلة علمتني أن مهمتنا الحقيقية كمعلمين تتجاوز بكثير مجرد تلقين المناهج وشرح الدروس؛ إنها رحلة غوص في أعماق هذا الإنسان الصغير، وفهم عقله وتقويم سلوكه من خلال أسلوب عشته ومارسته لسنوات في فصلي، وقادتني الصدفة لاحقاً إلى معرفة أنه يرتكز على أصل علمي يسمى العلاج المعرفي السلوكي (CBT). هذا المفهوم، ببساطة، يعني أننا لكي نقوم بتقويم وعلاج (Therapy) أي تصرف خاطئ، علينا أولاً أن نصل إلى المعارف والأفكار (Cognitive) التي تدور في عقل الطالب؛ لأنها المحرك الأساسي لكل سلوكه وأفعاله (Behavioral).

في كثير من الأحيان، تأخذنا عجلة اليوم الدراسي، فنكتفي بمعاقبة السلوك الظاهر للطالب، كالشغب أو الإهمال أو الانطواء، لكن خبرة السنوات علمتني أن أبحث دائماً عن “الجذر”؛ فالطالب لا يتصرف بسوء أو يعاند لمجرد العناد، بل لأنه في الغالب يرى نفسه أو من حوله بطريقة خاطئة. خذوا، على سبيل المثال، طالباً في عمر الرابعة عشرة يمتنع تماماً عن المشاركة ويقبل بالدرجة السيئة؛ النظرة العابرة ستقول إنه مهمل، ولكن حين تجلس معه وتستمع إليه، تكتشف غيمة سوداء في عقله تقول له: “لو شاركت وأخطأت، سيضحك زملائي عليّ، وإذا ضحكوا فأنا إنسان فاشل”.

هنا تماماً يبدأ دورنا التربوي الحقيقي؛ نجلس معه لنعيد ترتيب هذه الأفكار وتفكيك هذا الخوف، ونعلمه كيف يغير حواره الداخلي مع نفسه، فبدلاً من أن يستسلم لعبارة: “أنا فاشل في هذه المادة ولا فائدة مني”، يدرب عقله على قول: “أنا واجهت صعوبة في فهم درس اليوم، لكنني سأحاول مجدداً”. هذا التحول البسيط في التفكير يرفع عن كاهله شعور العجز، ويعيد إليه الدافع والرغبة في المحاولة.

ولكيلا يبقى هذا الكلام مجرد نصائح عابرة، ننقله مباشرة إلى أرض الواقع داخل الفصل عبر خطوات مدروسة نتدرج فيها معه لكسر حاجز الخوف والخجل الاجتماعي؛ فلا يمكن أن نطلب من طالب منطوٍ أن يقف فجأة ليشرح درساً أمام زملائه، بل نبدأ معه بإجابة من كلمة واحدة وهو جالس في مقعده، وفي الحصة التالية يقرأ سطراً، ثم يشارك وسط مجموعة صغيرة من زملائه، حتى يجد نفسه في النهاية واقفاً يتحدث بثقة أمام الجميع. وهنا ينكسر وهم الخوف في عقله، ويحل محله شعور حقيقي بالنجاح والقدرة.

إن أبناءنا في هذه المرحلة العمرية ليسوا قوالب جامدة نصب فيها معلوماتنا، بل هم عقول غضة تتشكل، ونفوس قلقة تتأرجح، وحين نفهم كيف يفكر الطالب، سنعرف يقيناً كيف يتصرف وكيف يتعلم. فلنجعل من فصولنا مساحات آمنة تحتضن أخطاءهم، وتصحح مفاهيمهم، وتبني ثقتهم بأنفسهم؛ فالمعلم الحقيقي ليس من ينتهي أثره بنهاية الحصة، بل من يزرع في عقل الطالب وقلبه أثراً يعيش معه طوال العمر.

 

بجاد العتيبي
@alotaiby511511
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop