مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

أخلاقيات الإعلام.. وأخلاقيات الإعلاميين

29/8/2023

 

من المواد التي استمتعت كثيراً بتدريسها في الجامعة قبل سنوات عديدة، مادة “أخلاقيات الأعمال” Business Ethics، والتي تضمنت العديد من التساؤلات الشيقة التي لا تزال عالقة بذهني، ومنها تساؤلٌ يقول: “هل للجنس والجنسية والعمر ودرجة التعليم تأثير في اتخاذ القرارات الأخلاقية؟”، وبمعنى آخر، أيهما أكثر ميلاً لاتخاذ قرار أخلاقي في ظرف محدد: الرجل أم المرأة، الشيخ الكبير في السن أم الشاب، الشخص عالي التعليم أم الأقل تعليماً؟، وماذا عن الجنسية، هل هناك علاقة بين جنسية الشخص وأخلاقه؟.

المبهج بهذا الخصوص، هو أن هناك دراسات علمية تناولت هذه التساؤلات، وحاولت الإجابة عليها، ووددتُ حينها لو أني أضفتُ إليها تساؤلاً آخر يتعلق بالمهنة يقول: هل هناك علاقة بين مهنة الشخص وأسلوب اتخاذه للقرارات الأخلاقية؟، بمعنى آخر، هل يختلف مثلاً الطبيب، عن المحامي، عن السباك، عن المهندس، عن الصحفي في طريقة تعاطي كلٍ منهم مع موقفٍ ما، يستلزم اتخاذ قرار أخلاقي؟.

وقد أثار موضوع أخلاقيات الإعلام؛ اهتمامي منذ مدة طويلة، ولي تغريدة قديمة تعبر عن ذلك، قلتُ فيها: (تخصصتُ منذ قرابة ربع قرن في قضايا مستقبل الإعلام، ولو عاد بي الزمن للوراء، لكرستُ جهدي وعمري في موضوع أكثر أهمية وضرورة وتأثير، وهو أخلاقيات الإعلام).
وبالرغم من استخدامي وترديدي لمفهوم “أخلاقيات الإعلام”، إلا أن ما أقصده في الواقع هو “أخلاقيات الإعلاميين”، ممارسي المهنة مؤسسياً. وهناك فرق بين المفهومين رغم تشابكهما، فالأول تم إشباعه بحثاً وأُلِفت فيه الكتب والمناهج، ويتضمن أساسيات، مثل المصداقية والموضوعية ودعم حرية التعبير وتعدد الآراء، وتجنب التعصب والانحياز.. بينما الثاني أشبه بالتابو وعش الدبابير، الذي تراه لكنك تتحاشى لمسه، ويتضمن انتشار ممارسات، مثل الشللية ودعم وتلميع أعضائها الممنهج لبعضهم البعض، وازدواجية القيم، والاغتيال المعنوي للمنتقدين، وشن الحروب الصامتة ضد المختلفين في الرأي والفكر، وإقصائهم وممارسة التحريض والاستعداء ضدهم.. وربما تجد بأن من يمتهنوا القيام بتلك الممارسات المشينة، هم عادةً بعض الإعلاميين الأكثر تشدقاً بقيم العدالة والشفافية، والتسامح مع المنتقدين، وتجنب معاداة الآخرين بسبب اختلاف فكرهم وآرائهم.

أنا بالتأكيد اتفق في الرأي مع من سيقول بأن من الخطأ التعميم بهذا الشأن، طالما أنه لا تتوفر لدينا دراسات حول عمق المشكلة وانتشارها، لكن ذلك لا يمنع طرح الملاحظات والانطباعات الموضوعية، باعتبار أن الملاحظة هي أحد أدوات البحث العلمي الهامة، والخطوة الأولى لتسليط الضوء على المشكلة وحلها.

ولكون الإعلام لا يقل عن الطب مثلاً في أهميته وتأثيره على الناس، فإن هناك حاجة ماسة لجهود منسقة على غرار تلك التي تقوم بها المراكز والمنظمات الطبية الغربية، التي ترصد وتوثق باستمرار كافة الممارسات غير الأخلاقية لبعض الممارسين الصحيين، بهدف منعها وحماية الناس ومهنة الطب منها.. وهذا في رأيي ما يحتاجه إعلامنا اليوم، أكثر حتى من حاجته لتطوير محتواه ووسائله.

د. سعود كاتب
عضو جمعية إعلاميون
‏@skateb

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop