القلم ليس ما نضعه بين الأصابع، هو ما يضعنا نحن في مواجهة أنفسنا. نبضٌ خفيّ يتسلل من الصدر إلى الحروف، فإذا ضاقت الروح نزف، وإذا اتسعت أنبت معنى.
القلم لغة الذين لا يجيدون الصراخ، وصوت الأفكار التي تخجل من الظهور علنًا. هو الجسر السري بين ضجيج الخارج وسكون الداخل، والملاذ الأخير حين تتعب الأفكار من الدوران في الفراغ.
أؤمن بالقلم الذي يفكر قبل أن يكتب، الذي لا يكتفي بالمرور على المعنى، بل يحفر فيه حتى يعثر على جذره.
قلمٌ يشتبك مع الفكرة، يناقشها، يختبر صدقها، ثم يعيدها إلى الصفحة أكثر نضجًا وأقرب للحقيقة. وحين يكتب في القيادة والإدارة، لا يسرد نظريات… بل يترجم عقلًا واعيًا وتجربةً عاشت وجرّبت وخسرت وتعلمت.
القلم العميق يعرف أن الفكر إن خلا من الشعور صار جافًا، وأن الشعور بلا وعي يتحول إلى فوضى. أما حين يتصافح القلب والعقل يولد نصٌّ يشبه الإنسان المتزن الذي يعرف أين يقف ولماذا.
القلم مساحة صدق، نضع فيه ما لا نستطيع حمله طويلًا. نفرغ فيه خوفنا وامتناننا، وجعنا ونورنا. إن كتبت وأنت فرِح زرعت رجاء، وإن كتبت وأنت متألم صنعت وعيًا.
ولا تخف من العمق؛ فما يُسمّى هذيانًا عند السطحيين، هو في الحقيقة رؤية أبعد. المفكر لا يضيع، هو فقط يرى ما لم يعتد الآخرون النظر إليه.
أخطر ما يهدد العقل ليس الجهل،
بل الاكتفاء. وأقسى ما يقتل القلم ليس النقد، بل التصفيق الخالي من المعنى. فالقلم الذي يلهث خلف الإعجاب يذبل، أما القلم الذي يطارد الحقيقة؛ فإنه يبقى حتى بعد أن يغيب صاحبه.
اكتب، لا لتُسمَع، بل لتتنفس. اكتب لأن في داخلك فكرة تخشى الاختناق، أو قلبًا ينتظر أن يفهمه أحد، أو روحًا تحاول أن تنجو.
وتذكّر دائمًا؛ بأن الضجيج يبهت، أما الأثر، فهو الشيء الوحيد الذي لا يهرم.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون