مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حين ينسحب أحدهم بصمت.. ماذا يقول؟

ليس كل وداعٍ يُقال، بعضه يحدث كإغلاق بابٍ بهدوءٍ شديد؛ لا صرير فيه، ولا اعتذار، ولا حتى التفاتة أخيرة.
الانسحاب المفاجئ من علاقة صداقة أو زمالة أو أخوّة، دون سبب واضح، ليس مجرد غياب شخص؛ بل هو فراغٌ مباغت في مساحة اعتادت الامتلاء. هو سؤال معلّق في سقف الذاكرة: متى تغيّر كل شيء؟ ومنذ متى صار الطريق الذي كان مزدحماً بالحديث، موحشًا إلى هذا الحد؟

من الناحية المنطقية، لا يولد الانسحاب من فراغ. قد يكون نتيجة تراكمات لم يُفصح عنها، أو فتورٍ تسلل ببطء، أو اختلافٍ لم يحتمل الصراحة. هناك من لا يجيد المواجهة، فيختار الغياب بدل الحوار. وهناك من تتبدل أولوياته، فينسحب لأنه لم يعد يرى في العلاقة ما يوازي جهده أو وقته. وقد يكون الانسحاب أحيانًا رسالة غير منطوقة: لقد انتهى ما كان يجمعنا. لكن المنطق شيء؛ وأثر الفعل على القلوب الوفية شيء آخر تمامًا.

القلب الوفي لا يحاسب العلاقات بالمنفعة، بل بالتاريخ. يرى السنوات رصيدًا، والمواقف عهدًا، والذكريات مسؤولية. لذلك حين يُترك بلا تفسير، لا يؤلمه الفراق بقدر ما يؤلمه الغموض. فالواضح يمكن احتماله، أما المعلّق بين الاحتمالات فيستنزف الروح.

القلوب الوفية لا تبكي الشخص فقط،
تبكي الفكرة التي آمنت بها. تبكي يقينها بأن بعض الروابط لا تنكسر بسهولة. وتسأل نفسها في صمت؛ هل كنت أتوهم عمقًا لم يكن موجودًا؟ أم أن الوفاء أصبح لغة لا يجيدها الجميع؟

الانسحاب الصامت قد لا يكون خيانة بالمعنى الصريح، لكنه في وجدان الأوفياء يُشبه التنكّر للتاريخ. لأن الوفاء – في نظرهم – لا يعني البقاء للأبد، بل يعني على الأقل وضوح الرحيل. كلمة صادقة، اعترافًا بسيطًا، إغلاقًا كريمًا يليق بما كان.
فالرحيل حق؛ لكن الطريقة مسؤولية. وما بين من ينسحب لأنه انتهى، ومن يتألم لأنه ما زال يرى في العلاقة بقايا حياة، تتجلى الحقيقة الإنسانية المؤلمة؛ لسنا جميعًا نمنح العلاقات القيمة ذاتها.

يبقى السؤال: هل الانسحاب دليل عدم وفاء؟ ليس دائمًا. أحيانًا هو عجز عن المواجهة. وأحيانًا هو اختلاف في عمق الشعور. وأحيانًا هو نضج متأخر اكتشف أن الطريق لم يعد مشتركًا.

لكن مهما كانت الأسباب، فإن القلوب الوفية لا تتأذى من النهاية، بل من الطريقة التي حدثت بها. لأنها كانت تظن أن بينهما من الودّ ما يستحق كلمة أخيرة؛ لا صمتًا يقتل كل الإجابات.

 

فاطمة الجباري
‏@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop