لم تكن الرحلة مخططة ولا السفر حلماً مؤجلاً. كان ظرف عملٍ طارئاً فرض عليّ أن أكون في دولة بعيدة جداً، من تلك الدول التي يُقاس فيها اليوم بدرجة الأمان، ويُحسب فيها الخروج بعد المغرب مغامرة غير محسوبة.
هنا تُغلق الشوارع مبكراً ويصبح الفندق حدود الحركة، وتتحول المسافة بينك وبين المسجد إلى رحلة حذرٍ مشوبة بالخوف.
أفطر وحيداً في غرفةٍ صامتة، أرتّب صلاتي ووقتي وفق ما يسمح به المكان، وأمضي إلى جامع المسلمين البعيد بخطواتٍ محسوبة.
وفي الطريق أحمل في داخلي شعورين متداخلين ، غربة المكان وفخر الانتماء. أتابع من هنا ما يجري في منطقتنا، أقرأ وأشاهد وأستمع لتحليلات الحرب الدائرة، وأراقب كيف تتعامل الدول مع الخطر حين يقترب من حدودها.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تجلى بلادي السعودية العظمي بصورة مختلفة ، ليست مجرد دولة تملك قوة عسكرية رادعة ، بل كيان متزن يعرف متى يحزم ومتى يحكم ، متى يُظهر الصلابة ومتى يُقدّم الحكمة.
في نقاشاتي مع من ألتقيهم هنا ، أرى في نظراتهم إدراكاً لمكانة السعودية في محيطها ، دولة تُنظر إليها كما يُنظر الطفل إلى أمه حين يشتد الخطر.
ليس لأن صوتها الأعل ، بل لأن حضورها هو الأثقل، وقرارها هو الأهدأ، وموقفها هو الأوضح.
القوة حين تكون ضرورة، والحكمة حين يكون الانفعال هو السائد. وأنا أتابع مواقف القيادة يتقدّم البعد الإنساني على كل اعتبار، حين وجه خادم الحرمين الشريفين باستضافة الزوار والمعتمرين وإكرامهم حتى عودتهم إلى بلدانهم، لم يكن القرار سياسياً بقدر ما كان أخلاقياً. رسالة واضحة مفادها أن الإنسان في هذه البلاد هو محور العناية، وأن الكرامة مقدّمة على أي حساب آخر.
في إحدى الليالي سمعت عبر التلفاز عن رشقات تم التصدي لها حول الرياض ، كانت المسافة بيني وبين الخبر آلاف الكيلومترات ، لكن القلق اختصرها إلى نبضة قلب.
سارعت بالاتصال بابنتي للاطمئنا فإذا بها في السوق تشتري مستلزمات العيد ، لا تعلم عن الحدث إلا مني. في تلك اللحظة أدركت أن الأمان الحقيقي ليس في غياب التهديد ، بل في قدرة الدولة على احتوائه دون أن يتحول إلى خوفٍ يومي يربك حياة الناس.
وأرى في توجيهات الجهات المعنية بعدم نشر ما يثير الرعب أو يضخم الأحداث بعداً إنسانياً عميقاً ، فالأمن ليس فقط حماية الحدود ، بل حماية النفوس من الهلع وصون المجتمع من القلق المصطنع.
أن يعيش الناس تفاصيلهم الطبيعية ، صيامهم، أعمالهم، تسوقهم، ضحكات أطفالهم ، وكأن شيئاً لم يكن ، فذلك نتاج منظومة استقرار تُدار بعقلٍ يقظ وقلبٍ مسؤول.
من هذه الغربة الطارئة أرى شعوباً أخرى تعيش تحت وطأة القصف والإنذار، وأسمع في أصواتهم ارتجاف الخوف ، ثم أعود فأطمئن على أهلي ، فأجد الطمأنينة عادة يومية وليست امتيازاً مؤقتاً.
هناك فهمت أن الوطن ليس أرضاً تُرسم على خريطة، بل شعورٌ يسكن الناس ، وأن قوة الدولة لا تُقاس بضجيج خطابها ، بل بهدوء شعبها.
الغربة تكشف المعاني دون تجميل ، تكشف أن الأمن نعمة لا تُدرك قيمتها إلا حين تفقدها في محيطك.
ومن تلك الغرفة البعيدة في ذلك البلد الذي أتيته مضطراً لظرف عملٍ عاجل ، كان وطني أقرب إليّ من أي وقت مضى.
أدركت أن الانتماء ليس شعاراً يُرفع بل سكينةً تُعاش.
ومن هناك… من بعيدٍ جداً ، عرفت أن أعظم ما نملكه ليس فقط قوة تحمينا ، بل وطنٌ يجعلنا نعيش حياتنا بأمان.
سعيد رجاء الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية اعلاميون