ليس بين كلمتي السلام والحرب تشابهٌ في الحروف، ولا تقاربٌ في المعنى، ومع ذلك فهما يسكنان العالم نفسه، ويتجاوران في التاريخ كما يتجاور الليل والنهار.
السلام كلمة خفيفة على اللسان، لكنها ثقيلة في بنائها؛ تحتاج حكمة، وصبرًا، وقلوبًا تؤمن بالحياة. أما الحرب فكلمة قاسية، قصيرة الطريق، لكنها طويلة الألم، لا تحتاج إلا شرارة صغيرة لتشتعل.
وفي هذه الأيام، يقف الخليج العربي عند تخوم هاتين الكلمتين؛ بين أملٍ يريده الناس، وقلقٍ تفرضه الأحداث.
فالمنطقة التي عرفت عبر تاريخها بأنها أرض تجارةٍ وبحرٍ وثقافةٍ وعبور حضارات، تجد نفسها مرة أخرى تحت ظلال التوترات السياسية والاضطرابات الإقليمية.
الخليج لم يكن يومًا مجرد مساحة جغرافية، بل هو بيت شعوبٍ تعلّمت أن الاستقرار هو أثمن ثرواتها. ولهذا لم يكن السلام بالنسبة لأهله شعارًا سياسيًا، بل ضرورة حياة. فالموانئ التي تستقبل السفن، والمدن التي تنبض بالعمل، والعائلات التي تحلم بمستقبل أبنائها؛ كلها تحتاج إلى سماء آمنة لا يعكّرها هدير الصراعات.
لكن التاريخ يذكّرنا أن الحروب تبدأ غالبًا بالكلمات، ثم تتضخم بالمخاوف، حتى تصبح واقعًا يدفع ثمنه الأبرياء قبل غيرهم. ولذلك فإن الحكمة الحقيقية ليست في القدرة على خوض الحرب، بل في القدرة على تجنبها.
لقد تعلّم العالم – بعد قرونٍ من الدم – أن السلام ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو أعلى درجات القوة؛ لأنه يحتاج إلى عقلٍ يرى أبعد من لحظة الغضب، وإلى قيادةٍ تدرك أن كلفة الحرب لا تُقاس بالمعارك فقط، بل بالأجيال التي ستعيش آثارها.
وفي الخليج، حيث تتقاطع المصالح الدولية وتتشابك الحسابات السياسية، يصبح الحفاظ على الاستقرار مسؤولية أكبر من مجرد قرارٍ عابر. إنه خيار حضاري يحدد شكل المستقبل.
فالسلام هنا يعني أن تستمر المدن في البناء، وأن تبقى الموانئ مفتوحة للحياة، وأن يكبر الأطفال وهم يسمعون صوت المدارس لا صوت المدافع. أما الحرب، فهي لا تسأل عن الحدود قبل أن تطرق أبواب الجميع، ولا تفرق بين من أشعلها ومن وجد نفسه داخلها.
ولهذا يبقى الأمل دائمًا في أن تنتصر الكلمة الأولى: السلام. فهو الكلمة التي تبدأ بالحرف نفسه الذي تبدأ به السكينة والسلامة، وتنتهي بمعنى يليق بالإنسان.
أما الحرب، فمهما بدت قوية في لحظتها، فإن التاريخ يكتب في نهايته دائمًا جملة واحدة؛ “أن البشر خسروا كثيرًا قبل أن يعودوا من جديد يبحثون عن السلام”.
وفي عالمٍ مضطرب، يظل أعظم انتصار يمكن أن تحققه الشعوب؛ هو أن تختار الحياة.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون