هناك لحظة خفية في حياة كل إنسان، لا تُكتب في السيرة ولا تُروى في المجالس، لكنها تختصر الكثير؛ لحظة يدرك فيها أن ما كان يركض خلفه يوماً، صار الآن يمر بجانبه من دون أن يلتفت إليه.
نحن لا نرغب؛ بل نلهث. نضع رغباتنا في مراتب الضروريات، ونُحمّلها معنى النجاة، كأن الحياة كلها متوقفة على تحقيق هذا الشيء بالذات. وظيفة، علاقة، مكانة، فرصة؛ لا فرق. الفكرة واحدة: إذا حصلت عليه؛ سأكون بخير. وهنا تبدأ القصة الحقيقية، لا مع الشيء، بل مع صورتنا عنه.
نرسم الأمنيات بألوان مبالغ فيها، نُضخّمها حتى تصبح أكبر من حجمها الطبيعي، ثم نبدأ رحلة مطاردتها. نتعب، ننتظر، نُؤجل أشياء كثيرة من أجلها، نُعيد ترتيب حياتنا، ونُقنع أنفسنا أن كل هذا التعب مبرر؛ لأن النهاية تستحق. لكن الذي لا ننتبه له، أن الإنسان في هذه الرحلة لا يلاحق الشيء فقط؛ بل يتغيّر وهو يلاحقه.
يمر الوقت، تتبدل الأولويات، تنضج الرؤية، تتسع التجربة، ويبدأ ذلك الشيء الذي كان يمثل كل شيء في الانكماش تدريجياً؛ ليس لأنه فقد قيمته، بل لأننا نحن لم نعد نفس الأشخاص الذين كنا عليه حين تمنيناه.
ثم تأتي المفارقة؛ بعد سنوات؛ يتحقق ما أردناه؛ لكن ليس في التوقيت الذي أردناه. يأتي هادئاً؛ بارداً؛ عادياً، لا يحمل ذلك الهيلمان الذي رسمناه له في خيالنا. ننظر إليه؛ وبدلاً من الفرح، نشعر بشيء غريب: لا مبالاة ممزوجة بابتسامة خفيفة، كأننا نقول لأنفسنا: أين كنت كل هذا الوقت؟ ولماذا جئت الآن؟
وهنا يبدأ الإدراك المؤلم: لم تكن المشكلة في تأخره؛ بل في أننا كبرنا قبله. الأمنيات ليست ثابتة، هي مرتبطة بنسخة معينة منّا. تلك النسخة التي كانت ترى العالم بطريقة محددة، وتحتاج هذا الشيء لتشعر بالاكتمال؛ لكن حين تتغير النسخة.. تتغير معها الحاجة. ولهذا، حين نحصل على ما تمنيناه متأخراً، لا نشعر بالانتصار… بل نشعر بأننا استلمنا رسالة قديمة، وصلت بعد أن انتهى موضوعها.
الأمر لا يتعلق بالحظ، ولا بتأخر الأقدار كما نحب أن نصفها؛ بل يتعلق بتوقيت داخلي لا ننتبه له. هناك أشياء لو جاءت في وقتها، كانت ستغيّر حياتنا فعلاً؛ لكنها حين تأتي متأخرة، تتحول إلى مجرد “إثبات” أننا كنا قادرين على الحصول عليها؛ لا أكثر.
وهذا هو الفرق بين الرغبة و المعنى. الرغبة قد تموت؛ لكن المعنى هو ما يبقى. ولهذا، بعض الناس لا يفرح حين تتحقق أمنياته؛ لأنه ببساطة، لم يعد بحاجة لها، ولم تعد تضيف له شيئاً حقيقياً.
وفي النهاية.. الحياة لا تحرمنا بقدر ما تعلّمنا. تعطينا الأشياء؛ لكن بعد أن تجرّدنا من التعلق بها. وكأنها تقول لنا بهدوء: كنت أجهّزك له؛ لا أجهّزه لك.
محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون