أكثر ما حيّرني في معالي الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد آل الشيخ… أنه كان يعمل تحت ضغط كان كفيلاً بأن يبدّل مزاج أي إنسان.
ثم يتحدث بهدوء وكأن شيئاً لم يكن.
حين تخرجت من الجامعة، كنت أواصل عملي الصحفي في جريدة المسائية، وأبحث في الوقت ذاته عن وظيفة صباحية أبدأ بها حياتي العملية بشكل أكثر استقراراً.
وبفضل الله، تيسرت لي وظيفة متواضعة في إدارة العلاقات العامة بوزارة العدل، وكان مدير الإدارة آنذاك الأستاذ حمد الحوشان، الذي ما زلت أكن له كل التقدير والامتنان، بعدما أتاح لي فرصة مرافقة معالي الدكتور عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ عندما كان وزيراً للعدل، والذي يشغل اليوم منصب رئيس مجلس الشورى، حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية.
لم أكن أدرك وقتها أن تلك السنوات الخمس ستكون من أهم المحطات التي شكّلت فهمي الحقيقي للعمل والانضباط والمسؤولية، وأن ما سأراه عن قرب سيبقى عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم.
في تلك المرحلة، لم يكن العمل الحكومي هادئاً كما يتخيل البعض.
كانت الأيام مزدحمة بالتنقلات والاجتماعات والمعاملات.
في الصيف، كنا احياناً نداوم يوم السبت والاحد في مقر الوزارة بالرياض، ثم نتجه صباح الاثنين إلى جدة لحضور معاليه جلسة مجلس الوزراء في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، وأحياناً يمتد العمل في مكتب الوزارة بجدة حتى الثلاثاء، قبل أن نتوجه عصراً إلى الطائف لنبدأ دوام الأربعاء في مجمع الدوائر الشرعية، ثم نغادر مساءً إلى الرياض برفقة أصحاب الفضيلة من هيئة كبار العلماء بعد انتهاء الدوام الرسمي.
وأحياناً كنا نقضي معظم الفترة الصيفية بين جدة والطائف في تنقلٍ لا يكاد يتوقف.
لم تكن التنقلات بين الرياض وجدة والطائف مريحة، بل سباقاً دائماً مع الأعمال والمسؤوليات.
ومع ذلك، أكثر ما كان يلفت انتباهي أن معالي الدكتور عبدالله آل الشيخ لم يكن يعرف التذمر أو التأجيل، بل كان حريصاً على إتمام العمل، واستقبال المراجعين، وإنهاء معاملاتهم عبر توجيهاته المباشرة لمدير مكتبه.
أتذكر جيداً تلك الحقائب السوداء المليئة بالمعاملات التي كانت تصل إلى مقر سكننا في جدة والطائف بشكل متكرر، محمّلة بالأوراق والملفات الرسمية، وكنت أساعد في ترتيبها وعرضها على معاليه.
كان يجلس لساعات طويلة يراجع ويوقّع ويكتب التوجيهات ويعيد بعض المعاملات للمراجعة أو التعديل، ولا يكاد يغادر مكانه حتى يُنجز ما أمامه بالكامل.
ولم يكن اهتمامه مقتصراً على إنجاز المعاملات فقط، بل كان حريصاً كذلك على استقبال المراجعين والاستماع لهم مهما كان ضغط العمل والتنقلات. وكنت ألاحظ حرصه على توجيه مدير مكتبه بسرعة إنهاء معاملات الناس وعدم تأخيرها، وكأن أكثر ما كان يهمه ألا يخرج المراجع وهو يشعر أن معاملته أُهملت أو تأجلت بلا سبب.
ومن الأمور التي بقيت عالقة في ذاكرتي أيضاً، أن معاليه رغم ضغط العمل وكثرة الاجتماعات والاستقبالات والتنقلات، لم يكن يتعامل بانفعال أو تذمر.
كان هادئاً في حديثه، دقيقاً في ملاحظاته، ويمنح كل معاملة وقتها وكأنها الوحيدة أمامه.
وهناك فهمت لأول مرة أن المسؤولية لا تسكن المناصب ولا المكاتب… بل تسكن أصحابها.
وتعلمت كذلك أن المسؤولية الحقيقية لا ترتبط بوقت دوام، ولا بمكتب رسمي، ولا بمدينة معينة.
فالعمل كان يرافقهم أينما ذهبوا..
ومن تلك السنوات خرجت بقناعة ما زالت ترافقني:
أن الإنجاز لا تصنعه الأنظمة وحدها، بل يصنعه أشخاص يؤمنون بأن مصالح الناس لا تحتمل التأجيل، وأن احترام الوقت ليس شعاراً إدارياً يُكتب في التعاميم، بل سلوك يومي ينعكس على طريقة العمل والحياة.
ولهذا، كلما سمعت من يختصر العمل الحكومي في صورة الروتين والبطء، عادت إلى ذاكرتي تلك المشاهد القديمة..حقائب المعاملات، الرحلات المتواصلة، والساعات الطويلة خلف المكاتب.
هناك فهمت أن الدول لا تُدار بالكلام وحده، بل برجال يحملون مسؤولياتهم معهم أينما ذهبوا، ويؤمنون أن خدمة الناس لا تعرف وقتاً محدداً ولا مدينة بعينها.
محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون