مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

اغتصاب الطبيعة

عاد الفرس والروم؛ لكن هذه المرة لم يختلفوا على من يحكم الأرض، بل على من يُفسدها بشكلٍ أبشع. كلٌ منهم يحمل صاروخه كأنه شهادة حضارة، ويظن أن الانفجارات التي تملأ السماء، دليل تقدّم… لا دليل عبث.

الفرس يصنعون الضجيج باسم الصمود، والروم يُتقنون الفوضى باسم النظام، وبين هذا وذاك؛ الأرض تُسحق بهدوء، كأنها طرفٌ لا يملك حق الاعتراض. لم تعد الجبال جبالًا؛ بل أهدافاً مفتوحة، ولم تعد البحار بحاراً؛ بل مكبّاً لما تخلّفه حروبهم.
حتى السماء، لم تعد ملاذاً للنظر، بل سقفاً يتلقى صواريخهم. والغريب؛ أن التاريخ لم يُنسَ، لكنه يُعاد، بطريقةٍ أكثر إزعاجاً وقلقا.
كل طرف يريد أن يثبت أنه الأقوى،
وكأن القوة تُقاس بكمية ما يمكن إفساده دون حساب، بينما الحقيقة التي يتجاهلونها: أن الأقوى؛ هو من يترك الأرض صالحة للحياة بعده.

لكن المشهد لا يكتمل بهذا وحده؛ فهناك طرف، لا يدخل الى الارض كغيره، بل يدخلها ككاتبٍ يحرّر نعيها. لا يكتفي بإشعال النار، بل يُعيد ترتيب المشهد، حتى يبدو الاحتراق… خياراً عقلانياً.

يتحدث عن الأمن، بينما يوسّع الخوف، ويتحدث عن الردع، بينما يُدير الفوضى بهدوءٍ بارد. لا يزرع الأرض؛ بل يزرع الشك. ولا يغيّر الجغرافيا فقط، بل يعبث بالبوصلة نفسها.
تراه في كل زاوية من المشهد،لكنك لا تمسكه بسهولة،لأنه لا يعمل كطرف، بل كفكرة.
فكرة تقول: يمكنك أن تُفسد، ثم تُقنع الجميع أن ما فعلته؛ ضرورة. وهنا يتحول الخراب من فعلٍ مُدان، إلى سلوكٍ مُبرر، بل أحياناً… إلى بطولة. وفي هذا التدافع كله؛ تُستنزف الطبيعة بصمت، وكأنها الثمن الذي لا أحد يفاوض عليه.
لكن؛ ماذا ينتج عن إغضاب الطبيعة؟ لا تنتقم؛ بل تسحب ما اعتدناه. ماءٌ يقل.. وهواءٌ يختنق .. وأرضٌ تضيق بأهلها.

تبدأ بهدوء… ثم نكتشف متأخرين أننا لم نكن نعيش في استقرار، بل في هدنة. وهنا السؤال الذي لا نحب مواجهته: هل وصلنا فعلاً إلى مرحلة إغضاب الطبيعة؟ أم أننا تجاوزنا ذلك…إلى مرحلةٍ أخطر؟ مرحلةٍ تجرّد فيها الإنسان من طبيعته، وهو يظن أنه يحمي بقاءه. هو يُفسد ليبقى، ويُدمّر ليضمن الاستمرار، وكأن البقاء في الدنيا إنجاز؛ لا مرحلة عابرة.

نسينا أن كل هذا التدافع، كل هذا الصخب، كل هذا الاستعراض سينتهي. وتبقى الأرض…إما شاهدةً علينا، أو شاهدةً لنا.

 

محمد العتي
‏@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop