عندما تستقر الحية الرقطاء، ذات الرأس المثلث والجلد المموّه، داخل منظومة يفترض أنها متجانسة، وفي بيئة تعرف حدودها ومساراتها منذ زمن بعيد، فإنها لا تكتفي بالعيش بين الآخرين، بل تُصرّ على إعادة تعريف المكان وفق منطق السم لا التعايش. هذه الحية لا تبني، بل تراقب. ولا تتحرك طلباً للسلام، بل بحثاً عن فرصة لدغة.
ومع مرور الوقت، يتحول وجودها من عنصر عابر إلى مصدر قلق دائم، فتبدأ البيئة المحيطة بالدخول في صراع بقاء صامت..الجميع يحسب خطواته، ويخفض صوته، ويعيد ترتيب مساراته، لا احتراماً لقوتها، بل خوفاً من سمّها المتقن، ومن أثره المتأخر.
حاول الجيران التعايش معها طويلاً.
مدّوا لها مساحات صبر، وفتحوا نوافذ حسن نية، وغضّوا الطرف عن ارتعاشات ذيلها، على أمل أن تهدأ وتستقر. لكن الحية الرقطاء، في كل مرة، كانت تفسّر الصمت ضعفاً، والتسامح فراغاً، فتعود للّسع من جديد، مرة خفية، ومرة عبر وسيط، وأحياناً باستدعاء أفاعٍ أخرى لتشاركها المهمة، كي يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما هو عليه في الحقيقة.
هي لا تواجه مباشرة، ولا تتحمل كلفة الصدام، بل تفضّل إدارة الفوضى من الظل، وتغذية الشقوق الصغيرة حتى تتحول إلى تصدعات، ثم تقف بعيداً تراقب، وتدّعي البراءة. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقاً؛ هل الحية الرقطاء قوية فعلاً، أم أن الجميع اختار ألا يختبر حقيقتها؟
التاريخ يقول إن السم، مهما طال أثره، لا يصنع سيادة. وأن الكائن الذي يعيش على اللدغ، ينهار سريعاً حين تُسحب منه مساحات المناورة.
وحين تُكشف بيئته الحقيقية، يتبيّن أن ما كان يُخشى منه، لم يكن سوى حية؛ وأي قدم ثابتة، في اللحظة المناسبة، قادرة على إيقافها دون ضجيج.
وما يزيد المشهد خطورة أن حدود الحية الرقطاء مع جيرانها واسعة وممتدة، لا تفصلها عنهم حواجز طبيعية ولا مسافات أمان، بل تماس مباشر يعرف فيه الجميع تاريخها الملطخ بالدماء.
والغريب أن هذه الحية، رغم أنها تنتمي إلى الجسد العربي ذاته، لم تتعامل مع محيطها يوماً بمنطق الأخوّة، بل بمنطق التجربة والعبث. وفي أكثر من ساحة، وبأسماء مختلفة، كانت الفتن تشتعل بالطريقة ذاتها، والسيناريو يُعاد مع تغيير الوجوه فقط.
دولة عربية، صغيرة في حجمها، صاخبة في أفعالها، لا تظهر في واجهة الصراع، لكنها حاضرة في كواليسه، لا تحمل السلاح بيدها، لكنها تُشير إليه، ولا تشعل النار، لكنها تفتح لها الأبواب.
يعرفها جيرانها جيداً، ويعرف تاريخها القريب قبل البعيد، لذلك لم يعد أحد يفاجأ حين يرى الخراب يتكرر بالأسلوب نفسه، والضحايا يتبدلون، والفاعل واحد. فهي لم تكن يوماً حيةً تهدد الغرباء فقط، بل قاتلة لإخوتها، ومفترسة لأبنائها قبل غيرهم، لا تتورع عن التهام أقرب ما حولها كلما ضاقت شهيتها أو شعرت بفقدان السيطرة.
لا تشبع هذه الحية من افتعال المشاكل، بل تتغذى عليها، وتجد في الفوضى متعتها الخاصة. تستعرض سمّها أمام العالم، وتحرص أن يراها الجميع ككائن خطير، لا ليثبت قوتها، بل لتخفي هشاشتها الداخلية خلف ضجيج التهديد. لكن السم، مهما تنوع، له حد. وقد وصلت الحية الرقطاء إلى مرحلة استنزفت فيها كل مخزونها، فلم يعد لديها ما تلوّح به سوى بقايا أثر، وصدى خوف قديم لم يعد يقنع أحداً.
الأخطر أنها بدأت تلتف على نفسها.
فسمّها الذي اعتادت أن توجهه للخارج، عاد ليجري في جسدها، يضعف أطرافها، ويكشف عظامها.
وأصبحت اليوم معرّضة للموت في أي لحظة..إما على يد أبناء جلدتها الذين ضاقوا ذرعاً بها ويتربصون بها من الداخل، أو بفعل أفاعٍ أخرى تراقب المشهد بصبر، لا رغبة في إنقاذها، بل طمعاً في إخضاعها، وتقاسم ثرواتها حين تسقط. وهكذا، تنتهي الحكاية دائماً بالطريقة ذاتها: من يعيش بالسم..يموت به.
أ. محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون