في زمنٍ كانت فيه المعايدة رحلة، لا رسالة… كان العيد يبدأ من الباب، لا من الشاشة.
كنت إذا أردت أن تعايد أحداً، تلبس ثوبك الجديد، تمشي إليه، تطرق بابه، وتصافحه بعينٍ تسبق يدك، وبقلبٍ حاضر لا يختبئ خلف لوحة مفاتيح.
كانت (كل عام وأنت بخير) تُقال بنبرة صوت، فيها دفء، وفيها صدق، وفيها تفاصيل لا تُكتب.
اليوم… أصبحت المعايدة إشعاراً صامتاً. رسالة تُرسل إلى خمسين شخصاً بضغطة واحدة، وصورة مزخرفة تدور بين الهواتف كأنها طابع بريد قديم، لكن بلا روح. تفتح الواتس… فتجد نفس العبارة، نفس التصميم، نفس التوقيت تقريبًا.
كأن العيد صار (نسخ… لصق… إرسال للجميع.
تكتب: (كل عام وأنت بخير)؛ فيرد عليك: (كل عام وأنت بخير). تقول: (عساك من عواده) فيأتيك الرد: (من العايدين) لا سؤال، لا إضافة، لا محاولة لكسر الجمود… فقط صدى يعود إليك بنفس كلماتك، كأنك تراسل نفسك من حسابٍ آخر.
المشكلة ليست في العبارة… بل في غياب النية خلفها. المعايدة لم تكن يوماً جملة محفوظة، بل كانت حالة شعورية. كانت تعني: أنا تذكرتك، أنا جئت لك، أنا حاضر معك في هذا الفرح. أما اليوم، فهي في كثير من الأحيان تعني: “تم إدراجك ضمن قائمة الإرسال”.
ومع ذلك… لا يزال العيد قادراً على استعادة معناه، لو أردنا.
رسالة صوتية قصيرة بصوتك، قد تعادل ألف صورة منسوخة. اتصال مفاجئ، قد يعيد العيد إلى قلب شخصٍ كان ينتظر كلمة حقيقية.
حتى رسالة مكتوبة، لكنها موجهة باسمه، وبعبارة مختلفة، قد تصنع فرقًا لا يُقاس.
العيد ليس في “إرسال”، بل في “إحساس”. ليس في سرعة الرد، بل في صدقه. وليس في كثرة المعايدات، بل في خصوصيتها.
وفي النهاية… ربما لا نحتاج أن نعود للماضي بالكامل، لكننا نحتاج فقط أن نُعيد للمعايدة روحها. لأن أجمل ما في العيد… أن يشعر الآخر أنك قصدته، لا أنك أرسلت له ضمن الجميع.
محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون