الهجر في عصر التقنية لا يحدث فجأة، هو قرار صامت يُتخذ وأنت متصل بالإنترنت؛ وأنت تراقب العلاقة تنسحب خطوة خطوة من دون أن تنقطع الشبكة.
الهجر اليوم يشبه أن تُغلق نافذة في المتصفح..بينما تبقى الصفحة مفتوحة في الذاكرة،تحدّث نفسها تلقائياً كلما مرّ طيف الاسم.
في السابق، كان الفراق أوضح وأقسى شكلاً..لكنه أرحم أثراً؛ يختفي الشخص ويبدأ العقل بمحاولة فهم الغياب على مهل..دون صور محدثة ولا آخر ظهور يذكّرك أن الحياة مستمرة… في مكان آخر.
أما اليوم، فلا أحد يختفي تماماً؛ الوجوه باقية؛ الأسماء نشطة؛ ومتصل الآن على الواتساب من دون جرأة على التواصل. والحياة تمضي أمامك بشفافية جارحة، تُجبرك على التعايش مع غيابٍ لا يغيب. ولنكن صريحين؛ في أغلب حكايات الهجر الحديثة، الكاتب رجل، والمفقود أنثى.
هي لا ترحل كما نتخيل، ولا تبقى كما نرجو، تغادر بهدوء، وتترك خلفها نسخة رقمية مكتملة؛ صورة جديدة، ضحكة في قصة، ونشاط عابر يقول لك دون صوت: (أنا بخير… فقط لست هنا).
التقنية لم تمنح الأنثى قوة جديدة، بل كشفت قوة قديمة. تعرف كيف تنسحب من دون صدام، وكيف تضع مسافة بلا خصومة. الصمت عندها ليس عقاباً، بل إعادة ترتيب للمكان.
الرجل، في المقابل؛ يميل إلى النظر للخلف، يفتح المحادثة أكثر من مرة..
يراقب التوقيت، ويبحث عن تفسير لشيء، ربما لم يعد يحتاج تفسيراً.
الهجر اليوم لا يُعلن، يأتي بالتدرّج، ردود أبطأ، جمل أقصر، وخروج سريع وانت تكتب. اهتمام يتناقص دون بيان رسمي، حتى تكتشف أن العلاقة ما زالت في قائمة الأصدقاء لكنها خرجت من الحياة.
لسنا ضحايا بقدر ما نحن مرتبكون. نسخر من التقنية نلوم آخر ظهور، ونكتب مقالات عن الفراق والصد والهجران؛ بينما الحقيقة أبسط مما نحب الاعتراف به.
الهجر في زمن الحضور الدائم لا يعلّمك كيف تفقد؛ بل كيف تتعايش مع الاستمرار الخطأ. وربما المشكلة ليست في التقنية. ولا في الرجل، ولا حتى في الأنثى، بل في أننا لم نتعلم بعد؛ أن بعض العلاقات لا تنتهي بخروج أحدهم؛ بل بانتهاء الحاجة إلى البقاء.
في زمن التقنية؛ لم نعد نحتاج من يرحل،،نحتاج فقط من يعرف كيف يبقى. وإن قررتِ الرحيل يوماً؛ فلا تتركي النوافذ مواربة؛ قولي السبب، ثم أغلقي الباب بقوة. الرجل لا يجيد العيش في الاحتمالات، ولا يفهم الغياب المتردد. ارحلي بوضوح، بلوك يكفي؛ فخط الرجعة لا يواسي الرجل؛ بل يطيل ألمه.
محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون