قرأت آلاف المقالات، لكن بعض المقالات ترسخ في الذاكرة لملامستها الحقيقة المُرّة. وأتذكر مقالًا للأستاذ بدر أحمد كريم (رحمه الله رحمةً واسعة)، قبل نحو 22 عامًا، نُشر في صحيفة عكاظ، في صفحة المقالات، في النصف السفلي من الصفحة اليمنى، انتقد فيه دور إدارات العلاقات العامة، وأنه اقتصر آنذاك على «زبرقة المسؤولين وتوزيع الصحف»، وهو وصف دقيق لوظيفة هذه الإدارات في ذلك الوقت.
أما اليوم، فإن ذلك المفهوم «المبتذل» لم يمت، بل تحوّل إلى وباء ثقافي ينتقل بالعدوى! فلم يعد الأمر مقتصرًا على الإدارات الحكومية فحسب، بل امتد ليصبح «وظيفة» بدوام كامل يمارسها نفر من الإعلاميين والأشخاص المأجورين، سواء كانوا مشاهير أم عاديين (الذين يمثلون دور العلاقات العامة قديمًا)، لزبرقة رجال الأعمال ومشاهير سناب شات وتيك توك، الذين وجدوا في التلميع مورد رزق ووسيلة حضور قوية، اغتصبت أوقات الجمهور المتلقي.
فأصبحت تلك المقاطع والصور والكلمات التمجيدية تنتشر في كل وقت وحين، وعلى كل منصة ممكنة، لتوسيع دائرة الانتشار. لقد تحوّل هؤلاء إلى فرقة عزف إعلامي متنقلة، يتقنون إدارة الأضواء أكثر من إدارة المواقف.
وهنا تبدأ المهازل، وتبدأ المسرحية الهزلية منذ اللحظة التي يُفتح فيها باب السيارة الفارهة؛ إذ تبدأ دراما الإضاءة الاحتفالية، وتلاحقه كاميرات الهواتف والمصورين في مشهد أشبه بإنزالٍ فضائي، وكأننا أمام عالم ذرة اكتشف للتو معادلة تحويل الرمل إلى ياقوت، أو مخترع لقوة يورانيوم نظيفة ستجعلنا نستغني عن الطاقة التقليدية إلى الأبد!
ولا يقف الأمر عند التصوير وحده، بل يُضاف إليه خليط من الشيلات البطولية المُركّبة بعشوائية، وأحيانًا بنشازٍ سمعي لا يُحتمل، ترافقها مقاطع غنائية حماسية تُدمج لتوحي بأننا أمام زعيم وطني أو بطل تاريخي خرج من رحم الملاحم، بينما الواقع لا يتعدى مشهدًا مُفبركًا صنعته كاميرا ومونتاج متحمس أكثر من اللازم. ويُمنح هؤلاء ألقابًا جاهزة من قوالب بلاغية مستهلكة: الهمام، القدوة، الكريم، صاحب الأيادي البيضاء، الرمز، الفارس، الملهم!
وفي المبالغة تتفوق الصورة على الحقيقة، حتى أصبح بعضهم يُمجَّد ويُعظَّم أكثر من الملوك والأمراء في مملكتنا الغالية، في مفارقة تثير الدهشة والحيرة لدى المتابع.
فيقف المشاهد أمام هذا الطوفان من التمجيد متسائلًا: لو كان هذا صاحب سمو ملكي، هل كان سيرضى بمثل هذه الأفعال المبتذلة التي تمسّ الذوق العام وتُسطّح مفهوم الاحترام؟
لقد بتنا أمام ظاهرة تلميعية قذرة، وفيها – بالمعنى العامي – «حومة كبد». فحتى لو كان هذا «البطل الهمام» يمتلك بعض الصفات الجيدة، فإن المتابعين يصيبهم النفور، بسبب الزبرقة ذات العيار الثقيل.
فهل أنا بالغت؟ أم أنهم هم المبالغون؟ أم أن الموضوع برمته لا يستحق الخوض فيه؟
أ. محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون