تشرفت قبل أيام باستلام شهادة شكر وتقدير من مدير الإدارة؛ وذلك بناءً على دوامي وأدائي لعملي المعتاد. وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر إيجابياً، فالشكر ثقافة جميلة والتقدير مطلب إنساني لا يختلف عليه اثنان. لكن الشهادة دفعتني للتساؤل: متى تصبح شهادة الشكر تكريماً حقيقياً؟ ومتى تتحول إلى إجراء إداري روتيني يفقد معناه شيئاً فشيئاً؟
في بيئات العمل المهنية، يفترض أن يكون الالتزام بالدوام وأداء المهام الوظيفية جزءاً من الواجب الأساسي الذي يتقاضى الموظف راتبه من أجله. فالحضور في الوقت المحدد؛ وإنجاز المعاملات؛ والقيام بالمسؤوليات اليومية ليست أعمالاً استثنائية.. بل هي الحد الأدنى المتوقع من أي موظف محترف.
ولهذا يبرز السؤال: إذا أصبح أداء الواجب المعتاد سبباً كافياً لمنح شهادات الشكر، فما الذي سيتبقى لتكريم الإنجازات الاستثنائية؟ وما الفرق بين الموظف الذي يؤدي عمله اليومي بشكل طبيعي، وبين من ابتكر فكرة جديدة، أو وفر ملايين الريالات، أو طور إجراءً خدم آلاف المستفيدين، أو تحمل مسؤوليات إضافية وحقق نتائج غير مسبوقة؟
إن قيمة أي تكريم لا تكمن في الورق الفاخر أو الإطار الجميل، بل في المعايير التي منح على أساسها. فكلما كانت معايير التكريم واضحة وعادلة، ارتفعت قيمة الشهادة في نظر الموظفين. أما عندما تتوسع دائرة الشكر بلا ضوابط، فإن التكريم يفقد هيبته تدريجياً، وتتحول الشهادة من وسام للتميز إلى ورقة إدارية لا تختلف كثيراً عن أي معاملة أخرى.
الخطر ليس في كثرة شهادات الشكر، بل في أنها قد تضع الموظف الذي أدى واجبه، والموظف الذي حقق إنجازاً استثنائياً، على المنصة نفسها. وعندما يحدث ذلك لا يرتفع العادي إلى مستوى المتميز، بل يهبط التميز إلى مستوى العادي.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التحفيز أو الامتنان، بل على العكس. فالموظف يحتاج إلى كلمة طيبة، ورسالة شكر، وإشادة علنية بجهوده. لكن هناك فرقاً بين التقدير اليومي الذي يمكن أن يقدمه المدير بكلمة أو رسالة أو إشادة في اجتماع، وبين شهادة رسمية يفترض أن ترتبط بإنجاز يستحق التوثيق والتكريم.
إن المؤسسات الناجحة لا تُكثر من الجوائز، بل ترفع قيمتها. ولا توزع شهادات التقدير على الجميع بالطريقة نفسها، بل تجعلها مرتبطة بمعايير يعرفها الجميع ويحترمونها. فالشهادة النادرة المستحقة تترك أثراً في النفس لسنوات، بينما عشرات الشهادات الممنوحة بلا تمييز قد لا يتذكرها أحد بعد أيام.
ربما كانت شهادة الشكر التي استلمتها لفتة جميلة من مدير الإدارة، وأقدر له ذلك بكل تأكيد. لكنها أعادت إلى ذهني سؤالاً أوسع: هل أصبحنا نخلط بين أداء الواجب وبين التميز؟ وهل ما نحتاجه فعلاً هو المزيد من شهادات الشكر، أم المزيد من المعايير التي تجعل الشكر مستحقاً وله قيمة ومعنى؟
فالتكريم الحقيقي ليس في عدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل في شعور الموظف أن ما حصل عليه جاء لأنه قدم شيئاً يستحق أن يُذكر ويُحتفى به.
محمد العتي
@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون