مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

عندما تتغير نظرتك للحياة

شدني برنامج الصحفي والرحالة البريطاني بن فوغل على قناة بي بي سي ايرث بشكل غريب مؤخراً، وربما لأن الإنسان كلما تقدم به العمر بدأ يرى الحياة بطريقة مختلفة.

فالبرنامج ببساطة يتحدث عن أناس تركوا المدن وذهبوا للعيش وسط الغابات أو الجبال أو الأماكن المعزولة، بعضهم بمزرعة صغيرة وبعضهم بكوخ خشبي، وآخرون مع الحيوانات والطبيعة بعيداً عن العالم.

في البداية كنت أظن أن الموضوع مجرد حب للمغامرة أو الطبيعة،لكن مع الوقت ومع متابعتي له منذ اكثر من 5 سنوات، بدأت ألاحظ شيئاً مختلفاً. معظمهم لم يهربوا من الفقر؛ بل هربوا من نمط حياة تعودوا عليه كثيراً.

من الزحام، من الركض اليومي، من الناس، من الوظائف التي تأكل العمر دون أن يشعر الإنسان بنفسه. والغريب أن كثيراً منهم كانوا ناجحين أصلاً، أطباء ومهندسين وإعلاميين وموظفين عاديين، لكنهم وصلوا لمرحلة شعروا فيها أن الحياة أصبحت تركض بهم أكثر مما يعيشونها.
ينتقلون لحياة أخرى، أحياناً لوحدهم، وأحياناً كزوجين، وبعضهم يأخذ أطفاله معه ويعيشون هناك بالكامل حتى الدراسة أصبحت عن بعد.

الجميل مع بن فوغل انه يعيد الزيارة لهم بعد سنوات ليشاهد حجم التغيرات سواء.. تعايشهم مع البيئة الجديدة أو مزاجهم أو حتى سلوكياتهم ويمكث في كل زيارة أسبوعاً كاملاً ويعيش معهم تفاصيل حياتهم بالكامل. وأنا أشاهد البرنامج تذكرت شيئاً مهماً: أن الإنسان مع العمر تتغير نظرته للحياة.

ولهذا نلاحظ أن كثيراً من الناس بعد التقاعد أو قربه يبدأ حديثه يتغير.
واحد يتمنى مزرعة. وآخر يبحث عن بيت في مدينته أو قريته التي ولد فيها. وثالث لا يريد من الدنيا إلا جلسة هادئة وكتاب وكوب شاهي. وكأن الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل يكتشف متأخراً أن راحة البال ليست في كثرة الأشياء؛ بل في قلة الالتزامات.

وأعتقد أن أجمل مافي البرنامج أنه أعاد طرح سؤال قديم بطريقة مختلفة: هل الإنسان فعلاً يستطيع الاستمرار بهذا الركض لسنوات طويلة؟ هواتف؛ رسائل اجتماعات؛ التزامات؛ ودوشة لا تتوقف حتى داخل البيت.

حتى الإنسان أصبح أحياناً يجلس وحده لكنه متعب من البشر. ولذلك لم أعد أستغرب تعلق الكثير بالمزارع والبر والكرفانات والرحلات الهادئة، فالموضوع لم يعد هواية دائماً، بل أحياناً محاولة للابتعاد قليلاً عن الناس والحياة المعتادة.

ولعل التقاعد الحقيقي ليس أن يتوقف الإنسان عن العمل فقط، بل أن يبدأ أخيراً بالعيش بالطريقة التي كان يؤجلها طوال عمره. وربما لهذا السبب؛ كلما كبر الإنسان؛ أصبح يحلم بحياة أصغر وأقرب الى مزاجه.

 

محمد العتي
‏@otay_moahmmed
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop